ابن سيده
51
المحكم والمحيط الأعظم
غيرَ أن الذي يقطع اعتذارى ، وإن جَدَّ في الجدل تَحرُّزى وحِذارى ، ما سَقانى به الموفق مولاي ، من رَوِىّ « 1 » شمائله ، وأوردنيه من وِرْد مناهله ، وبَوَّأَنيه من عَرْش إكرامه ، وأوطَأنيه من فَرْش إنعامِه ، أدام اللّه سُلْطانه وعِزّته ، ولا سَلَب مُلْكَه رَيعانَه وهِزَّتَه ، ذلك إلى ما مَجَّدَتْنِى به عُقَب الأيام ، وحَسَدنى عليه جميعُ الأنام ، حتى جاشت النُّفوس غيظا ، وفاظت عن أبدانها له فَيْظا « 2 » ، من صُحْبة الأمير الجليل ، « إقبال الدولة » مولاي نَثْرتِه « 3 » ، نجيب النجباء ، وخير البَنين لأكرم الآباء ، مُحيى الأدب ومُقيم دولة لسان العرب ، فرعٍ من أصل ، ونوع تشكَّل من جنس وفصْل ، « لا تُنْبتُ البَقْلَةَ إلَّا الحَقْلَة » « 4 » ، ذي الخِيْم « 5 » الوَساع ، والقلب الشُّجاع ، والكرم المُشاع ، والذهْن الصَناع ، والرأي القَطاع ، المتَّشحِ بالمجد ، وهو في المهد ، والمُتَّزر بالحمد ، قبل فِراق النَّهد ، فما قارب فِطاما ، حتى وضع على كلّ أنف خِطاما ، ولا شد إزارا ، حتى أغْرَقَ في جوده اليمنَ ونزارا ، بدر طَلَع ، فذلَّت له الكواكب ؛ ووَطِئَ الأرض ، فاهتزّت له منها المناكب ؛ يقول فيُسْمِع ، ويَمْضِى فيُسْرِع ، ويضرب في ذات الإله فيُوجِع ، فَلْيرْغَمْ أنفُ من رَغَمْ ، فمن أشبه أباه فما ظَلَم « 6 » . زاد اللّه عزّه عُلُوّا ، ومُلكه نُمُوّا ، ولا أسأَرَتْ « 7 » له الأيامُ عَدُوّا ، ونَسَألَهُ في أجَل « الموفق » المَلِك الأجَلّ ، قِوامِ الدُّنيا ، ونظام السُّؤْدُد والعَلْيا . وصلى اللّه على « محْمَّد » خَاتم النَّبِيِّين ، وأهله الطَّاهِرين ، وأصحابه المُنْتَخَبين ، وأزواجه أُمَّهات المؤمنين ، وسَلَّم تسليما . تمت الخطبة * * *
--> ( 1 ) في بعض النسخ : رضى . ( 2 ) فاظ الرجل وفاظت نفسه فيظًا : خرجت روحه . ( 3 ) النثر : الدرع السلسلة الملبس . ( 4 ) قال ابن منظور في اللسان ( حقل ) : « قال أبو عبيد : الحقل القراح من الأرض ، ومن أمثالهم : لا ينبت البقلة إلا الحقلةُ ، . . . قال ابن سيده : وأراهم أنثوا الحقْلة في هذا المثل لتأنيث البقلة أو عنوا بها الطائفة منه . ( 5 ) الخِيم : الشمية والطبيعة والخلق والسجية . ( 6 ) أخَذه من قول رؤبة : بأبه اقتدى عدىٌّ في الكرم * ومن يشابه أبه فما ظلم وهو في ديوانه ص 182 . ( 7 ) أي لا أفضلت ولا أبقت من أسأر سُؤْرًا .